العلامة المجلسي
324
بحار الأنوار
فأجابها أمير المؤمنين عليه السلام : لا ويل لك ، بل الويل لشانئك ، نهنهي من غربك ( 1 ) يا بنت الصفوة وبقية النبوة ، فوالله ما ونيت في ديني ، ولا أخطأت مقدوري ، فإن كنت ترزئين البلغة فرزقك مضمون ، ولعيلتك مأمون ، وما أعد لك خير مما قطع عنك ، فاحتسبي . فقالت : حسبي الله نعم الوكيل . ولندفع الاشكال الذي قلما لا يخطر بالبال عند سماع هذا الجواب والسؤال ، وهو : أن اعتراض فاطمة عليها السلام على أمير المؤمنين عليه السلام في ترك التعرض للخلافة ، وعدم نصرتها ، وتخطئة فيهما - مع علمها بإمامته ، ووجوب اتباعه وعصمته ، وأنه لم يفعل شيئا إلا بأمره تعالى ووصية الرسول صلى الله عليه وآله - مما ينافي عصمتها وجلالتها . فأقول : يمكن أن يجاب عنه : بأن هذه الكلمات صدرت منها عليها السلام لبعض المصالح ، ولم تكن واقعا منكرة لما فعله ، بل كانت راضية ، وإنما كان غرضها أن يتبين للناس قبح أعمالهم وشناعة أفعالهم ، وأن سكوته عليه السلام ليس لرضاه بما أتوا به . ومثل هذا كثيرا ما يقع في العادات والمحاورات ، كما أن ملكا يعاتب بعض خواصه في أمر بعض الرعايا ، مع علمه ببراءته من جنايتهم ، ليظهر لهم عظم جرمهم ، وأنه مما استوجب به أخص الناس بالملك منه المعاتبة . ونظير ذلك ما فعله موسى عليه السلام - لما رجع إلى قومه غضبان أسفا - من إلقائه الألواح ، وأخذه برأس أخيه يجره إليه - ولم يكن غرضه الانكار على هارون ، بل أراد بذلك أن يعرف القوم عظم جنايتهم ، وشدة جرمهم ، كما مر الكلام فيه ( 2 ) .
--> ( 1 ) في ( ك ) : عزبك . ( 2 ) بحار الأنوار 13 / 195 - 148 .